التفكير بالمؤامرة

بقلم : أحمد منيسي

هناك مبدأ شائع في علم السياسية يقول إنه ليست هناك صداقة دائمة بل مصلحة دائمة‏،‏ وليس في هذا المبدأ ما هو غامض‏,‏ فهو شارح لنفسه كما يقولون‏.‏ هذا المبدأ بالطبع منبوذ وغير أخلاقي اذا ما تم العمل به علي صعيد العلاقات بين الأفراد‏،‏ واذا وجد في نطاق

هذه العلاقات‏،‏ فإنه عادة ما يتزامن مع ألقاب شريرة ينعت بها هؤلاء الأفراد الذين يؤسسون علاقاتهم علي المصلحة البحتة دون اعتبار آخر‏.‏ ولكن هذا المبدأ موجود ومبرر علي صعيد العلاقات بين الدول‏، وعادة ما يكال المديح للمسئول صاحب السلطة اذا ما وصف بأنه سياسي محنك أو قدير أو مخضرم أو ما الي ذلك من هذه الأوصاف‏، وذلك علي الرغم مما ينطوي عليه هذا النعت من تمتع هذا الشخص ببعض أو كل من مباديء كثيرة مستقرة في مجال السياسة ليست أخلاقية بالضرورة‏،‏ ومنها المبدأ المشار إليه سلفا‏، ذلك أن الأمر هنا مختلف حين يتعلق بمصلحة الدولة التي يبرر لها أن تفعل ما تشاء لتأمين مصالحها في هذا الخضم الهائل للعلاقات الدولية‏.‏

هذا يعني ببساطة لا أخلاقية هذه العلاقات بالضرورة‏، ذلك أنه وعلي الرغم من التقدم المذهل الذي حققه عالم اليوم تقنيا‏,‏ فإنه مازال فقيرا علي الصعيد الأخلاقي‏.‏ ومن هنا‏،‏ فإن المجتمع الدولي لم يستطع بعد أن يطور معايير واضحة لنعت دولة ما بأنها دولة أخلاقية أو غير أخلاقية‏،‏ بل إن هذا التصنيف ينظر إليه علي أنه عبثي‏، فكيف يمكن لكيان الدولة غير المحسوس أصلا‏، أو القائمين عليه‏، أن يوصف بأوصاف من هذا القبيل‏.‏ وكان مبعث هذا الفشل هو حقيقة استناد العلاقات بين الدول الي القوة‏، سواء استخدمت بشكل مباشر أو غير مباشر وتزامن الشرعية الدولية نفسها مع القوة‏، فمن يصيغ هذه الشرعية ويكرسها هو صاحب القوة وليس الضعفاء‏، وإلا فكيف نفسر شرعية حصر حق الفيتو في دول معينة وغلق أبواب النادي النووي علي مجموعة بعينها من الدول‏.‏

واذا كانت هناك مفاهيم معينة قد ظهرت في القاموس الدولي لوصف مجموعة دول أو دولة معينة بنعوت بعينها يتصور أنها نابعة من معطيات أخلاقية من قبيل الدول المارقة‏،‏ أو حتي محور الشر‏،‏ فإن الحقيقة هي أن المعايير التي تم علي أساسها هذا التوصيف لم تكن في الأصل ذات منطلقات أخلاقية‏، بل عبرت عن مصالح قوي معينة في لصق هذه الأوصاف بقوة أخرى،‏ فمحور الشر مثلا اخترعه الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش‏، وقال إنه يضم كلا من العراق وايران وكوريا الشمالية‏، ولا يعلم المرء بالضبط ما هي المعايير الأخلاقية التي علي أساسها وضع بوش هذه الدول بالذات فيما سماه محور الشر‏، وقبل ذلك من خول له أصلا أن يقسم العالم هكذا‏.‏

إن هذا التصنيف يعكس تصورات هي بحد ذاتها غير أخلاقية‏،‏ بل وعدوانية كونها تصورات انتقائية ويرفضها المنطق السليم والعدالة في النظرة الي الأمور بشكل مجرد‏،‏ فلماذا لم توضع اسرائيل مثلا في محور الشر‏،‏ تحت الزعم نفسه الذي من أجله وضعت الدول الثلاث في محور الشر‏، فهي تملك أسلحة دمار شامل وليس فقط هناك شك حول امتلاكها أو سعيها لامتلاك تلك الأسلحة؟ ولماذا لم يكتسب قول كثيرين بأن محور الشر الحقيقي يضم كلا من الولايات المتحدة ذاتها اضافة الي كل من بريطانيا واسرائيل‏،‏ استنادا الي حقائق وليس مزاعم‏، بأن هذه الدول الثلاث هي التي تهدد الأمن والسلم الدوليين بسلوكياتها الخارجة عن مباديء وأعراف عادلة‏، وإن كان قد أمكن في بعض الحالات التحايل عليها وجعلها تبدو في شكل يتوافق مع ما يسمي الشرعية الدولية‏.‏

المهم في كل ما سبق‏،‏ أن جوهر العلاقات الدولية هو الصراع الذي يحقق المصلحة‏،‏ وهذا ليس جديدا بطبيعة الحال إلا بالقدر اللازم هنا لجهة التذكير‏، والتأكيد علي أن علاقات كتلك لايمكن أن تكون آليتها نظيفة‏، أو بمعني أدق ليس بالضرورة أن تكون هكذا‏، فالهدف هو المصلحة بغض النظر عن آليات تحقيقها‏، إنها رؤية ميكافيلية مازالت صالحة لتفسير ما يجري علي الساحة الدولية‏.‏

وفي ضوء واقع كهذا‏،‏ ظهر ما يسمي بنظرية المؤامرة‏،‏ وهي باختصار اذا خصصنا طرحها علي المقصود هنا‏، تعني أن كل نكبات الداخل سببها الخارج لاغير‏.‏ وقد لاقت هذه النظرية رواجا شديدا في الأدبيات العربية‏، والحق أن هناك من بالغ في استخدامها لدرجة أنها أصبحت التفسير الواحد لدي هذا القطاع من الباحثين أو الكتاب أو المفكرين‏.‏ ولأن الشيء يولد نقيضه ـ كما يقولون ـ ففي مقابل رواج هذه النظرية لدي البعض‏، ظهر فريق آخر علي النقيض تماما‏، لا يعير مقولات المؤامرة أدني اهتمام‏، بل انه ينظر اليها كنوع من المغالطة والتلفيق‏، بل والسذاجة أيضا‏.‏

علي هذا النحو‏، تشكل لدينا استقطاب عصي بين فريقين يمثلان حدي نقيض‏، أحدهما يقول بالمؤامرة‏، والآخر يسفه ما يقوله هؤلاء‏،‏ والحاصل أن هذا الحال كانت له تأثيرات شديدة السلبية علي مناح عديدة‏،‏ ما يعنينا منها هنا هو طبيعة رؤيتنا للعالم‏،‏ وكيفية ادارة علاقاتنا مع القوى الكبرى فيها‏.‏

في هذا الإطار‏،‏ ينبغي القول إنه وعلي الرغم من وجاهة عدم الاعتماد علي المؤامرة وحدها‏، أو بمعني أدق‏، سفه الاعتماد عليها لتفسير كل شيء‏، فالحاصل أن تاريخ العرب القديم والحديث والمعاصر أيضا‏، حافل بالتآمر عليهم من قبل القوي الكبري التي تعاقبت علي قيادة المسرح الدولي‏، وثمة أمثلة بارزة في هذا السياق مثلت محطات مفصلية في هذا التاريخ‏، فاتفاق سايكس بيكو الشهير عام‏1916‏ كان مؤامرة لتقسيم وتجزئة الوطن العربي‏,‏ ووعد بلفور عام‏1917‏ كان هو الآخر مؤامرة محكمة لانتزاع فلسطين وتسليمها للعصابات الصهيونية التي شكلت الكيان الحالي المعروف باسرائيل‏،‏ وأمثلة كثيرة أخري في هذا الاطار‏، أحدثها مؤامرة استهداف العراق ومن ثم احتلاله بخديعة أسلحة الدمار الشامل‏،‏ التي كانت لعبة مكشوفة وقصة مفبركة من البداية الي النهاية‏،‏ وليس آخرها ربما الانحياز التآمري الواضح للولايات المتحدة لصالح اسرائيل ضد الفلسطينيين‏.‏

ولا يقلل من حقيقة وجود المؤامرة في الحالتين الأخيرتين‏،‏ أنها تحاك بشكل قد يكون مكشوفا تفضحه طبيعة العصر الحالي‏،‏ الذي شهد ثورة غير مسبوقة في مجال ثورة المعلومات استحال معه التكتيم علي كل خطوط المؤامرة‏،‏ ومن هنا فإن طابع السرية الذي كانت تحاك به المؤامرات من أجل اخفاء المعلومات التي تفضحها قد استعيض في ظل عصر ثورة المعلومات بالاعلام لبث معلومات مغلوطة‏، هدفها ممارسة الخداع والتضليل كبديل عن السرية‏.‏ خذ مثلا وصف بوش لشارون بأنه رجل سلام‏،‏ ومحاولة الولايات المتحدة تسويق هذا الوصف الشديد البعد عن رجل كل تاريخه مخضب بالدماء‏.‏

وما تنبغي الاشارة إليه في هذا السياق هو ضرورة أن يكون واضحا في الأذهان التفرقة بين مفهومين‏:‏ مفهوم المصلحة ومفهوم المؤامرة‏،‏ لتصدير هذه المصلحة في ثوب أخلاقي‏، فإذا كان من مصلحة واشنطن تصدير شارون للعالم في صورة الحمل الوديع‏،‏ فليس من مصلحتنا بالتأكيد أن تنطلي علينا هذه الصورة الكاذبة‏، أو بمعني آخر‏، يجب ألا يوقعنا التضليل الاعلامي في شرك مؤامرة تصوير شارون علي هذا النحو‏.‏

وعلي أي الأحوال‏،‏ فإن هذا الواقع التآمري علي العرب في كل المراحل التاريخية‏، يعطي قيمة لما تنطوي عليه نظرية المؤامرة لتفسير ماحدث‏،‏ وما يحدث وربما ما قد يحدث أيضا‏، ولكن لأن تفسير المؤامرة فهمه البعض علي أنه أتي من مجموعة من الغوغائيين الذين يملأون الدنيا عادة ضجيجا في مقابل المحللين الشيك أصحاب المنطق الآخر الرافض لهذه النظرية‏، فإن الكثير من حقائق هذا الواقع جري تجاهله‏،‏ وهذا بالطبع كانت له تأثيراته السلبية‏، تماما كما لو كان قد تم الاعتماد فقط علي فكر المؤامرة في حالات ربما لم يكن عنصر المؤامرة موجودا فيها علي صعيد تفاعلات الداخل مثلا‏.‏

الغريب في الأمر هو الطبقية الفكرية التي عمل بها لتصنيف أصحاب المؤامرة باعتبارهم من أصحاب الياقات الزرقاء‏،‏ في مقابل الارستقراطية الفكرية لاضدادهم الذين ينفون حقيقة المؤامرة‏، انها عقدة الداخل المسكون بمصاعب شتي في مقابل الخارج الحلم لأصحاب الياقات البيضاء‏.‏

بطبيعة الحال هذه ليست دعوة للتفكير بنظرية المؤامرة علي طول الخط‏، ولكنها دعوة لاعتمادها كإحدي أدوات التفسير من منطلق إنها كذلك بالفعل‏، وما يحمله هذا من ضرورة التسامح مع من يفكر بها جديا لا اعتباطيا‏، إنها دعوة للقبول بالرأي المخالف واحترامه والتعاطي معه بمنطق أضعف الايمان علي أنه قول خطأ يحتمل الصواب‏، إنها باختصار دعوة لتجنب المؤامرة في الحكم علي الآراء المختلفة‏.