كتاب الموقع

الكنعانيون وأرض كنعان

يرجح العديد من العلماء بأن الإنسان الأول مشى على الأرض منذ ملايين السنين. أما غالبية الباحثين فيثبتون بأن الحضارة الإنسانية بدأت منذ ما يقارب من خمسة إلى سبعة ألاف عام قبل ميلاد السيد المسيح ‘عليه السلام’.

مع بداية عصر التأريخ، كان وادي النيل الغابر مقسماً إلى مصر العليا ومصر السفلى. رمز إحدى تلك الضفاف كان نِسرٌ بينما كان رمز الأخرى هو الثعبان، ثم جاء الفرعون مينيس عام 3700 قبل الميلاد ووحّدهما.

خلال المرحلة الأولى للتاريخ، أخترع الساموريون ‘البابليون’ أول لغة مكتوبة ‘اللغة المسـمارية’، والتي كانت عبارة عن أشكال تصـويرية رسـمت بإسـتعمال عيدان القصب والطين المرن، ثم يتم تجفيفها بالنار للمحافظة عليها.

وجد الباحثون الكثير من هذه الألواح في عدة مدن بابلية وعبر الصحراء العربية، لذا اعتبرت تلك المرحلة بداية إنتقال الإنسان من الأدب الشفوي إلى الأدب الكتابي.

عند بدء الحضارة كانت قبائل البدو الذين صنعوا الخيام، وحاكوا الأقمشة من صوف الحيوانات الدجنة، ربّوا القطعان، الأحصنة والجِمال لتمدهم بالطعام والحليب، ولتساعدهم في التنقل، يسكنون الصحراء العربية. هناك، وتحت الشمس الدافئة راقب العرب الطبيعة، طوَّروا الحسابات الفلكية، كانوا شعراء بارعين، ومنذ البدء عرف عنهم حبهم للسفر وللمعرفة.

   مع مطلع العصر البرونزي أي فيما يُقارب من العام 3500 قبل الميلاد، هاجرت عِدة قبائِل، عُرفت بالكِنعانية، من الصحراء العربية لِما يُعرف الآن بالشرق الأوسط.

بعض أولئك كانوا أول من سكن صيدون، أسسوا صور، بيبلوس، بيروت، بعلبك، وعرفوا حينئذٍ بالفينيقيين، مـخترعي الـ 22 حرفاً فينيقياً والتي لم تلبث أن انتشرت في المنطقة. فيما بعد، اكتشف الفينيقيون الأصباغ، إستعملوها على الأقمشة وكانوا أيضاً أول من صنع السفن التي عبرت البحار.

في الوقت ذاته كانت باقي القبائل الكنعانية قد أكملت رحلتها جنوباً واستقرت في الأرض التي سميت بإسمهم ‘أرض كنعان’. تلك كانت المنطقة الممتدة ما بين فينيقيا وأرض الفراعنة، وبمحاذاة الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

عُرفت القبيلة التي سكنت شمالاً بالآراميـة. أما قبيلة يبوس الكنعانية العربية فقد إستقرت على وحول تل سمي ‘يبوس’، بينما سكنت باقي القبائل الكنعانية القرى والشواطئ الجنوبية لأرض كنعان(1) نسبةً إلى بريستيد جونسون في Op. Cit صفحة 170، الكنعانيون الذين استقروا في تلك الأرض منذ بدء التاريخ، هم من العرب القدماء الذين ينتمون للعمالـقة، بما فيهم آراميي شـمال كنعان، والكنعانيين الذين استقروا جنوب البلاد.

   حوالي العام 3200 قبل الميـلاد باتت يبوس أهم مدينة في أرض كنعان.

حينها، حكم البلاد ملك نبيل إهتم بشعبه وبنشر العـدل والسلام حتى عمَّت القدسية المدينة، وليثبتوا وفاءهم، قام الكنعانيون القدامى بالإعتناء بوطنهم فزرعوا الأرض، شيدوا القنوات ليمدوا يبوس بالمياه، وبنوا سوراً منيعاً حولها (2) الباحثة الإنـكليزية كاثـلين م. كاينون اكـتشفت عام 1961 آثار أول سـور منيـع بـناه الـيبوسيون، كـذلك قـنوات المـياه، وتم اكتشاف عديد القـبور والمـعدات التي يـعود تاريخـها إلى مطلـع العصر البرونـزي ‘3500 سنة قبل الميلاد’.

   الكنعانيون الذين سكنوا الأرض وعاشوا فيها حينئذٍ، يشبهون إلى حد كبير أهلها في يومنا هذا. كانت لديهم نفس الملامح العربية، عيون غزلان وبشرة أدفأتها الشمس. فاضت وجوه أطفالهم بالسعادة أما ملامح الكبرياء؛ فكانت تبدو على محياهم منذ لحظة يولـدون إلى حين يُتوَفـون. كانوا أيضاً عاطفيون، مسالمون ومزارعون مخلصون إهتموا بأرضهم فأعطتهم أفضل أنواع الثمار والخضار، وتشير عديد الإثباتات بأن الكنعانيين قاموا بتصدير منتجاتهم الطبيعية إلى فينيقيا ومصر في تلك الفترة. المخطوطات الهيروغليفية المصرية القديمة وكذلك التماثيل الصغيرة التي اكتشفت وتعود لتلك الحقبة ذكرت ذلك، في حين لفظ إسم مدينة يبوس بـ ‘يابسي’ و ‘يابتي’.

بعد العام 3000 قبل الميلاد، بدأت عديد الحضارات والشعوب بالظهور في كل من أستراليا، غينيا الجديدة، ماليزيا وفي وسط أفريقيا وشمالها. كما ثبت وجود الهنود الحُمر في أعالي الإنديس وسكان جزيرة كريت واليونان قرابة العام 2700 قبل الميلاد، ثم ظهر أيبيريي البحر المتوسط، آريي وسط أوروبا، سكان الدانوب والصين وفي 2500 قبل الميلاد ظهر الجومون اليابانيين.

يشير الباحثون بأن هنود آسيا ظهروا أيضاً في تلك الفترة مع حضارتهم ومعابدهم البديعة، وبأن الحضارة السورية الرائعة بدأت في المرحلة ذاتها.

لم يبدأ العصر البرونزي في أوروبا إلا بعد العام 2000 ق.م، وسرعان ما اكتشف الأوروبيون الحديد، الأكثر صلابة ومتانة في الإستعمال.

كانت يبوس قد تحولت إلى مدينة معروفة بين عديد المدن والبلدات التي تم إنشاءها على أرض كنعان حينئذٍ، وكان الملك سالم الذي إتسم بالعدل كسلفه، يحكم البلاد.

خلال فترة حُكم الملك سالم، كثرت المحاصيل الزراعية ولم تعد يبوس مركزاً تجارياً فحسب، بل ومدينة سلام وروحانية كذلك، وباتت تعرف بـ ‘جيرو سالم’، ومعنى هذا الإسم باللسـان الكنعاني ‘مدينة سالم’، ومن المعروف أن كلمة ‘سالم’ باللغة العربية تعني سلامةً وسلاماً من عيب أو آفة.

   إضافة لما قد سلف، يؤكد الباحثون بأن بقايا عديد المقابر التي تم اكتشافها، ويرجع تاريخ العديد منها للعام 4500 سنة قبل الميلاد، تثبت أن الكنعانيين في تلك الأيام الغابرة كانوا يعبدون الآلهة الفينيقية القديمة ‘عشتروت’ و’بعل’، آلهة الحب والبحر، و’داجون’ إلاه القمح والخصوبة كما كانوا يعتقدون، وبأنهم كانوا يقدمون لتلك الآلهة الحيوانات كقرابين.

   في حوالي العام 2000 قبل الميلاد أيضأً، كان المصريون قد استكملوا بناء الأهرامات، والتي شمخت هناك منذئذٍ ترقب العالم، الذي يدهشه التفكير في الحضارة التي عاشت في ذلك الزمن البعيد.

أما في سومر، فقد بدأت مدن جديدة بالظهور في تلك الفترة. كانت أور، كيش، لاكش، وأوروك بعضاً منها. في أور الحديثة النشأة، كان غالبية السكان من المزارعين. لكن وبعد ذلك بوقت قصير، بدأ العديد من هؤلاء بتغيير نمط حياتهم وتحولوا فجأة إلى مدَّعي فن، ثُمَ إلى نحَّاتين لأصنام حجرية اعتبروها آلهة وبدأوا بعبادتها. أتبع الأوريون ذلك بتنصيب أنفسهم كهنة لما تنحته أيديهم وأخذوا يرغمون الناس كي يتبعونهم في ضلالهم وشعوذاتهم، قاموا بمهاجمة المدن المجاورة، سرقوا حاجيات الناس، اختطفوا الفتيات الصغيرات وادَّعوهن وما ينهبونه قرابين لآلهتهم الزائفـة. ثم تتالت الإعتداءات الهمجية لقوم أور، ودامت شرورهم لسنوات عديدة قبل أن يظهر في آشوريا المجاورة ملك جبار، أصر على حماية الآشوريين ووضع حدٍ لعدوان الأُوريين.

كان ذلك الملك الآشوري الشهير هو حمورابي، الذي عمل على تدريب وتجهيز جيش قوي قاده في حربه على المعتدين إلى أن اعتقد بأنه قد أنهى شرورهم.

فيما بعد، قام الملك حمورابي بتوحيد بلاد السومريين ‘بابل’، وحرصاً منه على توفير الأمن والسلم لمواطنيه إجتهد حمورابي في صياغة أول وأقدم قانون عرفته البشرية، والذي نصَّ فيه أكثر من مائتان من البنود التي غطت مجمل شؤون الحياة وسُميت ‘شرائع الدستور’ (3) حـفرت هذه القوانين على صخرة سـوداء لا زالت موجـودة ليومنا هذا في متحف اللوفر في باريس.

إلى جانب القوانين التي نصها، إشتهر الملك حمورابي كذلك بإشرافه لمدّ مُدن بابل بقنوات المياه، بإنشاءه للطرقات وعديد المكتبات وبإهتمامه بعموم شؤون شعبه. لكن وللأسف، بالرغم من قوانين حمورابي الصارمة وإنجازاته، ما أن وافته المنية حتى عاد سكان أور لمكرهم ولشعوذاتهم السابقة.